6/02/2019

هل حقا تؤدي القراءة إلى تحسين صحتك العقلية؟



إنها أيام صعبة على تيريزا ماي التي ستصبح بنهاية الأسبوع الأول من يونيو/حزيران رئيسة وزراء سابقة لبريطانيا. لذا ربما يتساءل المرء عما إذا كانت هناك كتب يمكن لهذه السيدة أن تطالعها لتهدئة روحها المضطربة؟ بوسعها - كما تقترح إيلا بيرثد الخبيرة في أساليب "العلاج بالقراءة" - البدء بمطالعة رواية كلاسيكية تحمل اسم "مرثية حلم" كتبها هيوبرت سيلبي الابن عام 1978، وتتناول قصة أربعة أشخاص يعانون من أنواع مختلفة من إدمان المخدرات.

وتشير بيرثد إلى أن هذا العمل الروائي الذي تم تحويله إلى فيلم في عام 2000، ربما كان "قاتما للغاية"، على نحو لا يمكن إنكاره، لكنها ترى أن ماي ستجد نفسها ومعاناتها بين صفحاته.

وأضافت أن "الرسالة العامة لهذه الرواية تتمثل في ألا يكف المرء عن المحاولة وأن يتمسك بمبادئه، وأن يسعى لاغتنام الوقت السانح له مرات ومرات، لذا آمل في أن تقرأها"، وأن تشعر بأنها تُطهرها وتجدد روحها.

مقترح بيرثد طُرِحَ خلال نقاش يأسر الألباب تناول "الفوائد العلاجية" لمطالعة الأعمال الأدبية والروائية، ودار على هامش الدورة الحالية لمهرجان هاي للآداب والفنون. وحمل النقاش عنوان "المداواة بالنصوص: هل يمكن للأدب أن يجلب الشفاء؟"، وأدارته الكاتبة الأدبية العاملة في "بي بي سي" حفيزباه أندرسون.

وخلال هذه الحلقة النقاشية، عرضت بيرثد - وهي كاتبة تقدم نصائح متعلقة بالقراءة للمترددين على مؤسسة وشركة تعليمية تحمل اسم "سكول أوف لايف" (مدرسة الحياة) في لندن - رؤاها حول دور الأدب في تحسين الصحة العقلية للإنسان، وذلك جنبا إلى جنب مع الروائييْن ذائعيْ الصيت أليكس ويتيل وجيسي بُرتون.

كيف يمكن إذا أن تُعيد قراءة الكتب التوازن إلى نفسك؟ بداية، اتفق المشاركون في النقاش جميعهم، على أن الأعمال الأدبية توفر نوعا من أنواع الهروب، أكثر كثافة من كل أشكال الهروب الأخرى المرتبطة بالتعرض للفنون والآداب. فبحسب بيرثد "عندما تشاهد فيلما أو برنامجا تليفزيونيا، تُعطى محتوى مصورا، أما مع الرواية، تكون أنت من يخترع هذا المحتوى بنفسك، وهو ما يجعلها في واقع الأمر أكثر تأثيرا بكثير، لأنك تصبح مشاركا فيها".

وضرب ويتيل مثالا مؤثرا على التأثير الذي تُخلّفه الأعمال الأدبية وينتقل من شخص لآخر، وذلك عندما تذكر كيف اكتشف - وهو يعيش في دار لرعاية الأطفال الذين لا يستطيعون الحياة مع عائلاتهم - شخصية هكلبيري فين التي ابتكرها الكاتب الشهير مارك توين.

وتذكر ويتيل حياته في هذه الدار، التي كانت تقع في جنوب لندن، بالقول: "لقد كان الأمر قاسيا للغاية، لذا كانت (الرواية) بمثابة بقعة بوسعي أن أفر إليها من فوضايّ اليومية. إذ كان بمقدوري على الأقل من الساعة التاسعة أو التاسعة والنصف من مساء كل يوم، أن اختبئ تحت الأغطية مع مصباحي الصغير، لأتصفح الرواية وأتخيل أنني أسبح على طول نهر الميسيسبي، لأصادف مراكب بخارية، واتخذ قراراتي بشأن المكان الذي سأكل فيه وأنال قسطا من الراحة".

ويمكن للروايات بفضل السرد القصصي الوارد فيها، والذي ينتظم في إطار هيكل واضح، أن تُرسي النظام في العقول التي تسودها الفوضى. وهنا أخبرت بُرتون الجمهور الحاضر للنقاش كيف كانت رواياتها المُفضلة خلال الأوقات العصيبة التي مرت بها، هي سلسلة "شاردليك" للكاتب سي.جيه سانسوم، والتي تتناول وقائع تاريخية غامضة، يُفترض أن إنجلترا في الحقبة التيودورية كانت مسرحا لها.

ولجأت بُرتون إلى هذه السلسلة عندما أصيبت قبل بضع سنوات بحالة من القلق الشديد، إثر النجاح الكبير الذي حالف رواية "المنمنم" وهي عملها الأول. في ذلك الوقت، لاذت هذه الكاتبة بأعمال سانسوم لتكسبها الهدوء والسكينة. وقالت في هذا الشأن إن إدخال المرء لنفسه في "حبكة روائية معقدة للغاية يمكن له أن يحاول حلها وأن ينجح في ذلك، يمثل نشاطا يستطيع من خلاله أن يبتعد عن ذاك الطنين الذي يدوي في عقله".

في الوقت نفسه، اتفق المشاركون في النقاش على أنهم جميعا يعتقدون أن الأعمال الأدبية التي تؤدي مطالعتها إلى إنعاش الذهن والروح، لا تحتاج إلى أن تكون مبهجة بالضرورة، بل ربما تتسم بطابع قاتم على نحو يُحدث تأثيرا إيجابيا. وتذكر ويتيل في هذا السياق ما رواه له والده بشأن فترة طفولته في جامايكا، عندما كان "راوي القصص يتنقل من قرية إلى أخرى، خاصة في موسم الحصاد، وهو يروي حكايات عن العبودية وما إلى ذلك". وقال ويتيل إنه بالرغم من "أن هذه المضامين قاتمة للغاية، فإنها تؤكد النضال الذي خاض الناس غماره".

وبرأي هذا الرجل؛ يكمن جانب من جوانب جاذبية ما يُعرف بـ "أدب البؤس أو الديستوبيا"، في العزاء والسلوى غير المتوقعين، اللذين يوفرهما لقارئه بقدر مماثل لما يحصل عليه القارئ نفسه من مطالعته لأعمال أدبية حافلة بالمواقف المبهجة. ويقول: "الأمر يتعلق بكيف اخْتُبِر الناس، وكيف تمكنوا من تجاوز هذه الاختبارات".

علاوة على ذلك، يمكن أن تؤدي إعادتك لقراءة رواياتك المفضلة، إلى أن توفر لك نوعا خاصا من "العلاجات المعتمدة على المطالعة والقراءة"، إذ يسمح لك ذلك بتقييم نفسك من وجهة نظر أفضل وأكثر استنارة وفهما.

وفي هذا السياق، ناقشت بيرثد كيف أقامت علاقة مستمرة من هذا النوع برواية " تَس أوڤ ذي ديربيرڤلز" للكاتب توماس هاردي. وقالت: "قرأتها للمرة الأولى وأنا في الخامسة عشرة من عمري، وتماهيت بحق وقتذاك مع شخصية تَس. وفي المرة الثانية، بعد 10 سنوات، وجدت أنني شعرت بتوتر هائل في واقع الأمر، بسبب القدر الكبير من السلبية التي اصطبغت بها شخصيتها، ثم طالعت الرواية بعد 10 أعوام أخرى، وبدأت أفهم وأتفهم أسباب بعض قراراتها من جديد. هناك شيء ما يرتبط بإعادة قراءة كتاب ما مرارا وتكرارا في فترات مختلفة من حياتك، وهو أمر يجلب لك فوائد بشكل لا يصدق. فأنت تتعرف على نفسك على نحو أفضل، لأنك تزور طبقات من نفسك كانت جزءا من شخصيتك، على مر الأعوام، وكأنك تعاين طبقات ثمرة من البصل".

وإذا أولينا الاهتمام إلى القراء الأصغر سنا، سنجد أن بوسع الأدب والروايات الاضطلاع بدور كبير في التعامل مع أزمة الصحة الذهنية والعقلية التي يواجهونها، والتي تصبح جزءا من النقاش الدائر بشأنهم على الساحة الدولية. فرغم أن هذه الأعمال الأدبية قد تمثل بالنسبة لهؤلاء وسيلة للهروب، فإن فوائدها لا تقتصر على هذا. إذ أنه على العكس من استغلال الأدب للفرار من الواقع، هناك الآن المزيد والمزيد من القصص والأعمال الأدبية المخصصة للبالغين من الشبان، من تلك التي يمكن أن تساعد المراهقين، من خلال تناولها على نحو مباشر ودون تردد، قضايا ربما يتعاملون معها في حياتهم اليومية، بدءا من التنمر إلى تعاطي المخدرات وصولا إلى مسائل مثل تغيير الجنس والإقصاء الاجتماعي.

وأشارت بيرثد إلى أن هناك كُتّابا ربما يقدمون المساعدة الأكبر من نوعها للصغار في هذا الشأن، على صعيد تمكينهم - من خلال أعمالهم الأدبية - من الحديث عن "أمور قد تحدث لهم في حياتهم، ويعجزون عن التعبير عنها". وذكرت في هذا السياق أسماء روائيين وروائيات مثل جونو دوسون وملفين بورجيش ومالوري بلاكمان.

وأضافت: "أعتقد بحق أن من شأن الكتاب أن يشكل فأسا يهشم بحر الجليد بداخلنا كما قال كافكا، وهذا يَصْدُقُ على القراء من أي شريحة عمرية".

لكن إذا كان للقراءة فوائد نفسية لا شك فيها؛ فماذا عن الكتابة نفسها؟ هنا أقر ويتيل وبُرتون بأن حياة الكاتب يمكن أن تكون بمثابة حقيبة مختلطة المحتويات، من منظور الصحة العقلية والذهنية. فالكتابة يمكن أن تمثل وسيلة بارعة لمعالجة الصدمات العاطفية والتخلص منها، كما حدث معه عندما كتب عن تجربته في دار رعاية الأطفال.

على الجانب الآخر؛ فإن فعل الكتابة - كما تقول بُرتون - هو أمر يعزل الكاتب عن المحيطين به بشدة "لتصبح وحيدا لأسابيع وشهور وسنوات، وهو ما يصيبك بالجنون قليلا". وأضافت الكاتبة: "اعتدت أن أعمل بالتمثيل، وهو ما كان يمثل تجربة ذات طابع تعاوني. أفتقد بشدة هذا الجانب. ويكمن التناقض في أن كتابك يُقرأ من جانب الآلاف، لكنك لا تكون وسطهم لترى ذلك بعينيك، فأنت لا تفعل ذلك (الكتابة) خلال حفل موسيقي مثلا، ولذا يتسم الأمر بغرابة شديدة".

لكن في نهاية المطاف، يمكن القول إن رؤية التأثير الذي يمكن أن يُحدثه كِتاب ما على حياة وسعادة قرائه، هو بالتبعية أفضل شيء يمكن أن يحدث للكاتب ويؤثر إيجابا على حياته وسعادته.

وفي هذا الإطار، تذكر ويتيل رد فعل ممتعا وغير معتاد بشكل استثنائي تلقاه مؤخرا من جانب قارئة لأحدث رواياته "هوم غيرل" (فتاة المنزل)، وهو عمل مخصص للمراهقين صدر للتو. فقد قالت له القارئة: "أليكس (ويتيل)، أحب هذه الرواية، لقد جعلتني أرغب في العمل في الفخار".

وقال الكاتب إنه فكر حينذاك في أن روايته لا تتناول هذا المجال من العمل بأي شكل من الأشكال، ليفطن فيما بعد إلى أن تلك القارئة كانت تريد دوما العمل في الفخار، وقد ألهمتها بطلة روايته بأن تسعى لتحقيق هذا الهدف، وذلك نظرا لأن البطلة واجهتها خلال الرواية الكثير من العقبات، وكانت تحاول طوال الوقت تجاوزها والتغلب عليها، والمضي في طريقها.

واختتم ويتيل حديثه بالقول: "من النادر أن يحظى المرء بهذا النوع من ردود الفعل، لكن عندما يحدث لك، تفكر في أن لسبب مثل هذا (أي لتحقيق تأثير من هذا القبيل) تقوم بعملك" وهو الكتابة.

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق